اقتصاد

عمال تونس تحت سياط الأزمة المالية: ضحايا “الإصلاحات”

تنتظر حكومة نجلاء بودن موقفاً رسمياً من الاتحاد العام التونسي للشغل حول ما يسمي بـ”وثيقة الإصلاحات الاقتصادية” التي ستعتمدها في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فيما تطلب النقابة العمالية الأكثر وزناً في البلاد مزيداً من الوقت من أجل الخروج بحلول تكون أخف ضرراً على العمال وعموم التونسيين.
وتواجه تونس أسوأ أزمة مالية، بينما تأمل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في إبريل/نيسان المقبل للحصول على قرض لسد العجز المالي المتفاقم، ما يتيح لها الحصول على تمويلات خارجية من شركاء آخرين أيضاً.
وموافقة الاتحاد العام التونسي للشغل على “خطة الإصلاح الاقتصادي” عنصر رئيسي لإنجاح المفاوضات مع الصندوق الذي طلب من أصحاب القرار التحرّك لإيجاد حلول لوضع البلاد المالي.
وقال ممثل صندوق النقد الدولي في تونس جيروم فاشيه في يناير/ كانون الثاني الماضي إنّ “المسؤولية الأكبر تقع على أصحاب القرار وعليهم التحرك لإيجاد حلول”.
لكنّ الاتحاد طلب مهلة من أجل أن يعقد مؤتمره الانتخابي وصعود قيادة جديدة تتولى التوقيع على الاتفاق مع الحكومة الذي قد تتواصل آثاره لسنوات مقبلة.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ماذا بعد تصنيف “موديز” السلبي لاقتصاد تونس؟

وتعقد المنظمة النقابية يومي 17 و18 فبراير/ شباط الحالي مؤتمرها الذي يتم بمقتضاه انتخاب مكتب تنفيذي جديد، فيما يرجح أن يحضر ملف “الإصلاحات الاقتصادية” بقوة في صلب نقاشات وأعمال الورش في المؤتمر.

وصفة “إصلاح” صعب
ومن المقرر أن تعرض الحكومة على النقابات العمالية “وصفة إصلاح اقتصادي صعبة” قدمت مسودة منها إلى صندوق النقد الدولي تتضمن تدابير لخفض الإنفاق العام، وزيادة النمو عبر حزمة إجراءات ضريبية وزيادة في أسعار الطاقة والمواد المدعومة وتثبيت كتلة الأجور، بحيث تُطبَّق مع بداية العام الجديد.
كذلك تتضمن “وثيقة الإصلاح الاقتصادي” نية سلطات تونس توفير 1.5 مليار دينار (الدولار = نحو 2.9 دينار) من تدابير تجميد التوظيف في القطاع الحكومي، وتجميد الزيادات في رواتب الموظفين التي تكلف نحو 1060 مليون دينار، إلى جانب تسريح الموظفين وإحالتهم على التقاعد المبكر بكلفة 192 مليون دينار وتشجيع المغادرة الطوعية.

يؤكد عضو لجنة المفاوضات بين الاتحاد والحكومة الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن اللاحقة، أهمية موقف الاتحاد من “خطة الإصلاح الحكومية” لصندوق النقد الذي طلب موافقته الصريحة على البرنامج الحكومي

لكنّ أكثر الملفات الساخنة اجتماعياً هو صندوق الدعم الذي يدعم أسعار النفط ومئات من المواد الأساسية كالخبز والحليب والسكر، وهي ملفات تحتاج الضوء الأخضر من النقابات العمالية من أجل تمريرها بسلاسة وتجنّب التصادم مع الشارع المشحون بالغضب.

رفض خفض الأجور
يؤكد عضو لجنة المفاوضات بين الاتحاد والحكومة الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن اللاحقة، أهمية موقف الاتحاد من “خطة الإصلاح الحكومية” لصندوق النقد الذي طلب موافقته الصريحة على البرنامج الحكومي الذي يمتد تطبيقه على السنوات الأربع المقبلة. وقال اللاحقة في تصريح لـ”العربي الجديد” إنّ المخبر الاقتصادي للمنظمة النقابية يشتغل منذ مدة على خطة إصلاح حسب رؤيته، مشيراً إلى أنّ هناك نقاط التقاء حولها مع الحكومة.
لكنّه أضاف في سياق متصل أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل لن يفاوض، ولن يقبل بتقديم أيّ تنازلات حول خفض أجور الموظفين أو بيع المؤسسات الحكومية التي يعتبرها ملكاً للتونسيين. ووفق اللاحقة فإنّ الإصلاح الاقتصادي في تونس ما زال ممكناً بحلول تونسية صرفة تكون مقبولة من الجميع شرط توفر الإرادة الصادقة للإصلاح.
وأشار إلى أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل لم يسبق أن عارض أيّ إصلاحات تحفظ حقوق العمال، مؤكداً أنّ هناك أطرافاً تستفيد من رداءة الوضع الاقتصادي تعمل على تعطيل كلّ عملية إنقاذ.
وفي وقت سابق طالب الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، حكومة نجلاء بودن، بالخروج إلى الرأي العام ومكاشفة التونسيين بحقيقة الوضع المالي للبلاد، مشيراً إلى أنّ السلطات تدرس إمكانية خفض أجور التونسيين بنسبة 10 بالمائة بهدف التحكم في كتلة الأجور.
وقال الطبوبي إنّ الوضع المالي في البلاد خطير جداً، وقد يستمر لخمس سنوات قادمة، مؤكداً أنّ ما تتحدث عنه السلطات خلف الأبواب المغلقة ليس هو ذاته ما يروج حول سلامة الوضع الاقتصادي والتوازنات المالية في العلن.
كذلك، سبق أن رفض اتحاد الشغل المشاركة في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي بدأتها حكومة هشام المشيشي، في مايو/ أيار الماضي، إذ أعلنت المركزية النقابية حينها أنّها “غير معنية” بالمفاوضات ولم تكن ضمن الوفد الحكومي الذي سافر إلى واشنطن بقيادة وزير المالية السابق، علي الكعلي.

غضب من تأخير الرواتب
ويتحمّل الاتحاد العام التونسي للشغل جزءا من مسؤولية إنجاح المفاوضات، حيث تصرّ حكومة تونس على إقناع النقابة العمالية الأكثر تمثيلا بضرورة تقاسم التضحيات لتجنّب المأزق المالي، فيما يضع الاتحاد خطوطاً حمراء لا يقبل تجاوزها رغم المرونة التي يبديها في تعامله مع الحكومة.
ومنذ تولي نجلاء بودن رئاسة الحكومة في سبتمبر/ أيلول الماضي خفّض الاتحاد من وتيرة التحركات الاحتجاجية والإضرابات، غير أنّ أمينه العام وجه في أكثر من مناسبة رسائل إلى السلطات بأنّ المنظمة لن تقبل بأيّ إصلاح على حساب قوت التونسيين.

يتحمّل الاتحاد العام التونسي للشغل جزءا من مسؤولية إنجاح المفاوضات، حيث تصرّ حكومة تونس على إقناع النقابة العمالية الأكثر تمثيلا بضرورة تقاسم التضحيات لتجنّب المأزق المالي

والشهر الماضي نظمت نقابات أساسية للموظفين في القطاع الحكومي وقفات احتجاجية في مقرات العمل، بسبب التأخير القياسي في صرف رواتب الموظفين الذين أعلنوا تأهبهم لكل الأشكال النضالية في حال تأخر الرواتب للأشهر القادمة.
وتعود تونس المثقلة بالديون للمرة الرابعة خلال عقد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، سعيا للتوصل إلى اتفاق مالي ينقذ خزينتها لن يقل عن 4 مليارات دولار مقابل وعد بإصلاحات يبدو الالتزام بها أصعب من السابق.
في المقابل يدعو صندوق النقد إلى أن يترافق إصلاح نظام الدعم على المحروقات والسلع الأساسية مع آليات تعويض تستهدف المعوزين.
لكن الاتحاد العام التونسي للشعل يعمل على أن تكون الحماية من تداعيات الإصلاح أشمل، باعتبار أن الطبقات الوسطى باتت معرّضة أيضا للتفقير نتيجة الغلاء والتضخم والبطالة المدفوعة بتجميد التوظيف في القطاع الحكومي.
وقال مصدر نقابي فضل عدم الكشف عن اسمه إن خطة الإصلاح الحكومي ستكون على رأس جدول أعمال المؤتمر الانتخابي لاتحاد الشغل، مؤكدا أن الأمين العام نور الدين الطبوبي سيشرح موقف المنظمة في الكلمة التي سيلقيها أمام جموع المؤتمرين.

أسواق تونس (فتحي بلعيد/فرانس برس)

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

بعد تفرده بالسلطة… ما خطة سعيد لإنقاذ اقتصاد تونس؟

وأفاد المصدر نفسه في تصريح لـ”العربي الجديد” أن الرؤية حول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ستكون أوضح عقب المؤتمر وصعود القيادة الجديدة، مشيرا إلى أن النقاشات ستضمن في اللوائح التي ستصدر عنه.

أسوأ أزمة مالية
تواجه تونس أسوأ أزمة مالية، بينما تأمل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض لسد العجز المالي المتفاقم. وعبّرت السلطات النقدية التونسية الخميس الماضي، عن مخاوفها من تداعيات تضخمية كبيرة تحدق بالبلاد بسبب التقاء عوامل داخلية وأخرى خارجية تدفع بأسعار المواد الأساسية عالياً، منبهة إلى تواصل المخاطر في غياب توافق محلي يعيد الاقتصاد إلى سكة الإصلاحات.

وجاءت التحذيرات من المخاطر التضخمية العالية في بيان البنك المركزي التونسي، عقب الاجتماع الدوري لمجلس إدارته الذي أكد مواصلة التضخم مساره التصاعدي ليقفل سنة 2021 عند مستوى 6.6 بالمائة، مقابل 6.4 بالمائة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، و4.9 بالمائة قبل سنة.
لكنّ الخبير الاقتصادي، محمد منصف الشريف، رجّح في تصريح لـ”العربي الجديد” إنقاذ قارب البلاد من الغرق في الدقائق الأخيرة، مؤكداً الدور الوطني المهم لاتحاد الشغل الذي ساعد السلطة على الخروج من مآزقها في مناسبات عديدة. واعتبر الشريف أنّ اتحاد الشغل الذي يملك آلية تحريك الشارع يملك أيضا مفاتيح الحلول من أجل إنقاذ اقتصادي لا تدفع فيه الطبقات العمالية ثمناً غالياً، مشدداً على أهمية توفير الحماية للمجتمعية للطبقات الضعيفة والمتوسطة من تداعيات أيّ إصلاح مكلف وفق قوله.
وقال ممثل صندوق النقد الدولي في تونس جيروم فاشيه، إنّ الصندوق يدرك “تأثير” قراراته على الأطراف المانحة الأخرى الوطنية والخارجية العامة والخاصة، علماً أنّ الاتحاد الأوروبي ودولاً كبرى أخرى ربطت تقديم أي مساعدة بضوء أخضر يصدر عن الصندوق.

ورأى أنّه لا يمكن القول، كما يؤكد البعض، إنّ تونس باتت على شفير الإفلاس المالي، موضحاً: “هناك إدارة للميزانية تحصل وتتكيف مع الوضع وإن بطريقة غير مثالية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى