اقتصاد

خسائر أسواق موسكو وكييف تتجاوز 112 مليار دولار من أزمة المواجهة

ما كان لشهر كامل من التوتر العسكري على الحدود الروسية الأوكرانية أن يمرّ من دون أن يكبد أسواق البلدين خسائر فادحة جراء انسحاب المستثمرين من أسواقهما، وسط توقعات بعودة أداء الأسواق الروسية والأوكرانية إلى طبيعتها في حال تراجعت المخاطر الجيوسياسية خلال الأشهر المقبلة.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه السلطات الأوكرانية عن خسائر تزيد عن 12 مليار دولار بسبب خروج رؤوس الأموال، سجلت مؤشرات البورصات الروسية تراجعاً بنحو 12 في المائة، أو ما يعادل حوالي 8 تريليونات روبل (100 مليار دولار تقريباً) من إجمالي رأس المال السوقي للشركات الروسية في يناير/كانون الثاني الماضي.
ويواجه الاقتصادان الروسي والأوكراني تسارعاً لوتيرة التضخم وتراجع قيمة عملتيهما، الروبل والهريفنا، وانهيارات بالأسواق، وخروج الأجانب من السندات الحكومية، وسط توقعات باضطرارهما للتعايش مع ظروف هيستريا الحرب لبضعة أشهر حتى تتراجع المخاطر الجيوسياسية.

مقر سوق المال الروسي في وسط موسكو (getty)

أسواق
التحديثات الحية

الهروب الكبير من السوق الروسي … الشركات تخسر 100 مليار دولار

وبعد تهاوي سعر صرف الروبل إلى مستوى لامس عتبة 80 روبلاً للدولار الواحد في تعاملات بورصة موسكو في يناير/كانون الثاني الماضي، استهلت العملة الروسية فبراير/شباط الجاري بتعاف ملحوظ إلى مستوى نحو 76 روبلاً للدولار.
وتراجع سعر صرف الهريفنا الأوكرانية هو الآخر من نحو 27 هريفنا للدولار في نهاية عام 2021 إلى مستوى ناهز 29 هريفنا في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أن يحذو حذو الروبل بتسجيله تعافياً إلى نحو 28 هريفنا للدولار.
وبذلك جاء الروبل والهريفنا من بين العملات الأسوأ أداء بين عملات الدول الناشئة في بداية العام الحالي.
ورغم أنّ الاقتصاد الروسي يبدو أكثر صمودًا بفضل الاحتياطات الضخمة من الذهب والعملات الصعبة والبالغة أكثر من 630 مليار دولار، والمستوى المنخفض للدين العام، وتوفر موارد الطاقة وارتفاع أسعارها التصديرية، إلّا أنّ أوكرانيا يمكنها الاستفادة من الدعم المالي الغربي، وإلّا لكانت واجهت مشكلات أكبر من تلك التي تواجهها روسيا، علماً أنّ نسبة الدين العام الروسي تبلغ 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد مقابل 60 في المائة في حالة أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، يرجع الخبير الاقتصادي الروسي، ألكسندر زوتين، انهيار الأسواق الروسية إلى التوتر الجيوسياسي السائد، لافتا في الوقت نفسه إلى استقرار أداء مؤشرات الاقتصاد الكلي الروسي.
ويقول زوتين في حديث لـ”العربي الجديد”: “في الوقت الحالي، انعكس التوتر الجيوسياسي في روسيا في انهيار أسواق الأسهم وبعض التراجع لسعر صرف العملة الوطنية. يعود تراجع البورصات إلى خروج أموال المستثمرين، ولكن الجاذبية الأساسية للأصول الروسية لا تزال عالية، وفق المعايير المالية الرئيسية مثل نسبة الأسعار إلى الأرباح والمبيعات”.
ويلفت الخبير زوتين إلى أنّ سوق الأسهم الروسية لا تزال مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، مضيفاً: “يكفي القول إنّ قيمتها الإجمالية أقل من رأس المال السوقي لشركة تيسلا الأميركية وحدها، بينما تبلغ عوائد مؤشر IMOEX الروسي الرئيسي حوالي 10 في المائة، وتصل إلى 15 في المائة لشركات النفط والغاز”. وقال: “في حال تراجع التوتر الجيوسياسي يمكننا أن نتوقع تعافياً لسوق الأسهم وتعزيزاً لمواقع العملة الوطنية، إذ إنّ العوامل الأساسية المتمثلة بارتفاع أسعار موارد الطاقة وغيرها من المواد الخام، تدعم العوائد التصديرية العالية للشركات الروسية”.

طاقة
التحديثات الحية

الأزمة الأوكرانية تُقلق أوروبا: مساع أميركية لزيادة إمدادات الغاز

وفي ذات الصدد كشفت وثيقة أنّ شركة “ويسترن يونيون” لتحويل الأموال ستوقف خدمة تحويل الأموال داخل روسيا، لكنّ الوثيقة أكدت أنّ عمليات تحويل الأموال الخارجية من روسيا وإليها ستستمر. وجاء ذلك بحسب ما نقله موقع RBC الاقتصادي عن خطاب موجه من قبل “ويسترن يونيون” إلى بنوك روسية تقدم خدمة تحويل الأموال. ومن المقرر أن توقف الشركة تحويل الأموال داخل روسيا اعتباراً من الأول من إبريل/نيسان المقبل، وأكدت الشركة أن عمليات تحويل الأموال الخارجية من وإلى روسيا ستستمر.

وعن أسباب القرار، أشارت الوثيقة إلى أن القرار تم اتخاذه بسبب انخفاض الطلب على التحويلات داخل روسيا.
وحول العوامل غير السياسية المؤثرة على أداء الاقتصاد الكلي الروسي، تابع زوتين: “لا يؤثر التوتر الجيوسياسي على مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل الموازنة والميزان التجاري واللذين من المنتظر أن يحققا فائضاً هذا العام، بينما يتراجع التضخم بفضل تشديد سياسات المصرف المركزي الروسي بعد رفعه سعر الفائدة الأساسية لبضع مرات في العام الماضي”.
وكان المصرف المركزي الروسي قد رفع سعر الفائدة الأساسية سبع مرات على التوالي في عام 2021 من 4.25 في المائة فقط في ربيع العام الماضي إلى 8.5 في المائة بحلول نهاية العام، فيما يعد أعلى مستوى لها منذ خريف عام 2017.
وفي كييف، يلفت الشريك الإداري بشركة Hugs Fund الأوكرانية للاستشارات الاستثمارية، إريك نايمان، إلى مجموعة من التداعيات السلبية للتوتر العسكري على الاقتصادي الأوكراني، متوقعاً تحسناً لأدائه في الربيع المقبل في حال تراجعت المخاطر.

ويقول نايمان في اتصال مع “العربي الجديد”: “أثر التوتر العسكري سلباً على الاقتصاد الأوكراني من جهة ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الأوروبية الأوكرانية المدرجة بالدولار إلى أكثر من 10 في المائة، ويصعب إيجاد المستثمرين حتى مع هذه الفوائد. كما أدى التوتر الجيوسياسي إلى ارتفاع أسعار النفط الذي بات نحو 5 في المائة منها هي القيمة المضافة عن خطر الاضطرابات في إمدادات النفط الروسي.

أما تراجع سعر صرف الهريفنا، فيزيد أعباء المستوردين ويؤدي إلى ارتفاع وتيرة التضخم. كما أدى عاملا قفزة أسعار النفط وتسارع التضخم مجتمعين إلى ارتفاع أسعار وقود السيارات، مما شكل ضربة لجيوب المواطنين الأوكرانيين”.
وفي وقت سابق، أفادت الرئاسة الأوكرانية بأنّ كييف أنفقت 1.5 مليار دولار، ما يعادل نحو 5 في المائة من احتياطاتها من الذهب والعملات الصعبة في يناير/كانون الثاني الماضي، لمنع سعر صرف الهريفنا من الانهيار.

علماً أنّ الاحتياطات الأوكرانية بلغت نحو 31 مليار دولار بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفق أرقام المصرف الوطني الأوكراني. ويغطي هذا الرقم الواردات الأوكرانية لمدة أربعة أشهر فقط، مما يزيد من مخاوف السلطات المالية الأوكرانية من استنزاف الاحتياطات.

رئيس مجلس إدارة غاز بروم أليكسي ميلر مع الرئيس بوتين (getty)

طاقة
التحديثات الحية

هل تشهر روسيا سلاح الغاز ضد أوروبا في حال غزو أوكرانيا؟

وحول العوامل الجيوسياسية التي ستحدد أداء الاقتصاد الأوكراني في الفترة المقبلة، يضيف نايمان: “تجري في فبراير/شباط الجاري، تدريبات عسكرية روسية بيلاروسية مشتركة، وسيتضح بعدها ما إذا كانت روسيا ستسحب قواتها من الأراضي البيلاروسية مما سيعني تخفيفاً لحدة التوتر، أم ستبقي عليها ما سيعني استمراراً للمخاطر. وفي حال تراجعت حدة التوتر، ستعود أوضاع الاقتصاد الأوكراني إلى طبيعتها بحلول أبريل/نيسان أو مايو/أيار المقبل”.

وتجري روسيا وبيلاروسيا حالياً التدريبات العسكرية المشتركة “حزم الاتحاد-2022” في إطار مراجعة جاهزية قواتهما، وتشمل تدريباً على مواجهة تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون. وبالتزامن مع انطلاق التدريبات، باتت تتجلى ملامح انحياز مينسك لموسكو في مواجهتها مع أوكرانيا، إذ توعد الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، بردّ روسي – بيلاروسي مشترك في حال شنت كييف حرباً على منطقة دونباس.

وتقرّ السلطات الأوكرانية بأنّ شبح النزاع المسلح لا يصبّ في مصلحة اقتصاد البلاد، مما دفع بالرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، إلى طمأنة المواطنين، قائلاً في تصريحات سابقة: “لا نشهد اليوم تصعيداً أكبر مما كان عليه من قبل. نعم، هناك زيادة في عدد العسكريين، لكنّني قد تحدثت عن ذلك في بداية عام 2021، عندما تحدثنا عن التدريبات العسكرية الروسية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى